الصحة والبيئة

"المياه العادمة" تحول قرى وبلدات جنوب محافظة الخليل الى مناطق موبوءة


اتساع سيل المياه العادمة تجاه الاراضي

خاص بآفاق البيئة والتنمية

يجري في قنوات مكشوفة، يبث سمه في كل بقعة يمر بها، يبعث الروائح الكريهة، وينشر الأمراض في أجساد المواطنين الذين يقيمون بالجوار منه، يغتال خصوبة التربة، ويحول مئات الدونمات الزراعية الى أراضي جرداء، يقطع أوصال القرى والبلدات تاركا وراءه مكاره صحية، هذا ما يخلفه مجرى المياه العادمة القادمة من مستوطنات "كريات أربع و"خارصينا" و"عتنائيل" اضافة الى تلك المياه الملوثة الناتجة عن المنازل والمنشآت الصناعية في مدينة الخليل، حيث تتخلص البلدية من هذه المياه بواسطة "السيل" مخلفة الدمار للإنسان والبيئة في اكثر من 15 تجمعا سكانيا في جنوب وشرقي المحافظة؛ حيث يعاني من هذا "السيل" الذي يزيد عمقه عن ثلاثة أمتار ويتدفق بالمياه الملوثة منذ عشرات السنوات ما يقارب الـ 60 الف نسمة يقطنون في قرى ابو العسجا، ابو الغزلان، ابو العرقان، ورابود، وكرزا، وكرمة، العلقة والحدب والفحص وبلدة الظاهرية وأجزاء من بلدتي يطا والسموع ومخيم الفوار.



اثار الرواسب التي تخلفها سيول المياه العادمة في الاراضي الزراعية
تاثير المياه العادمة على الاشجار والتربة

امراض وحصار
"من اجل حماية أطفالي فكرت في الرحيل، لكن ضيق الحال أجبرني على البقاء أعاني من هذه "السيل "الذي حول حياتنا الى جحيم لا يطاق". بهذه العبارات بدأ المواطن بسام الشوامره من قرية ابو الغزلان حديثه، مؤكداً ان أطفاله يعانون من الغثيان المستمر إضافة الى ظهور طفح جلدي وبقع حمراء، كما ان لدغات البعوض تترك بعض التشوهات على الجلد، ورغم إنفاقه الكثير من المال للحد من هذه الأمراض الا انه لم يجد العلاج المناسب، وكان في كل مرة يراجع فيها الطبيب يقال له ان الحل الوحيد لحماية أفراد أسرته يتمثل في الرحيل والابتعاد عن مجرى المياه العادمة، ويتابع أن هذه المعاناة لا تقتصر على الأطفال بل يعاني منها سكان القرية كافة، حيث تنتشر بين السكان الأمراض المزمنة مثل ضيق التنفس والفشل الكلوي وولادة أطفال مشوهين.
فيما يقول المواطن ماهر النمورة من قرية ابو العسجا أن "السيل" والذي يمر من أمام بيوت المواطنين، جعل سكان القرية يعيشون في "صناديق مغلقة" حيث يصعب فتح النوافذ والأبواب معظم ايام السنة بسبب الروائح الكريهة وانتشار البعوض والحشرات بشكل كثيف، كما يجبر هذه "السيل" المواطنين على إحاطة منازلهم بالأسيجة والأسوار لحماية أطفالهم من السقوط بداخله، اضافة الى انهم يحاولون حماية بيوتهم من تسلل القوارض كبيرة الحجم، والتي تقضم كل شيء تصل اليه حتى أجساد البشر. وتابع ان المشكلة تزداد في فصل الشتاء بسبب اتساع  عرض "السيل" وفيضانه عدة مرات مما يؤدي الى حصار المنازل، ويحرم الطلاب من الذهاب الى المدارس بسبب وقوع طريق القرية الوحيد بمحاذاة مجرى المياه العادمة، ما يجعل الأهالي يعيشون حالة من القلق الدائم، بسبب تكرار حالات سقوط الأطفال فيه.



اغنام ترعي بالقرب من المياه العادمة
التخلص من النفايات السائلة

جفاف وتلوث
لا تقتصر الأضرار التي يلحقها مجرى المياه العادمة في محافظة الخليل على البشر، بل ساهم هذا الخطر في تدمير الأراضي الزراعية. المزارع محمد قطيط من قرية رابود يفيد بأن المياه الملوثة قضت على عشرات المحاصيل الزراعية وجففت الأشجار، كما حولت رواسب المحاجر التي تحملها المياه العادمة لون التربة الى اللون الأبيض وبالتالي فإن مئات الدونمات الزراعية والتي يمر السيل بجانبها او من وسطها أصبحت غير صالحة للزراعة، وأدى انتشار الديدان والحشرات الى إصابة النباتات بالآفات رغم انها تزرع في أراضي بعيدة وبعضها في بيوت بلاستيكية، كما تعرضت أشجار الزيتون واللوزيات القريبة منه للتلوث حيث أظهرت الفحوصات التي أجرتها بعض المؤسسات البيئية ان ثمارها غير صالحة للأكل، فيما أشار مربي الأغنام محمد سلمان الى ان أهالي القرية، قد تكبدوا خسائر كبيرة نتيجة موت عشرات الأغنام نتيجة لتناولها أعشاباً ملوثة او  شربها مياه عادمة، كما أصيب بعضها بالأمراض مثل "الجرب" وتساقط صوفها والإجهاض.



المياه العادمة بمحاذاة المنازل
المياه العادمة تجري باتجاه المنازل

استغاثات غير مسموعة 
"لم نترك مؤسسة حكومية او أجنية الا وطرقنا أبوابها من أجل مساعدتنا في وضع حد لمعاناة المواطنين، لكن دون فائدة، ورغم ان بلدية الخليل تعتبر طرفا رئيساً في وجود هذه المشكلة، الا انها لم تساهم في تقديم ولو ابسط الحلول كرش السيل لمنع انتشار الحشرات". هذا ما صرح به رئيس مجلس تجمع قرى جنوب دورا اسماعيل النمورة، حيث تابع ان البلدية حلت مشكلة السكان القريبين من مدينة الخليل سيما في منطقتي قلقس والفحص عبر سقف مجرى المياه العادمة، لكنها تركت "السيل" مكشوفا ينشر الأمراض ويدمر البيئة  في قرى  جنوب دورا ويطا والظاهرية، ومع استمرار تقديم الشكاوي للجهات المختصة قام رئيس الوزراء الفلسطيني د. سلام فياض في نهاية العام الماضي بزيارة القرى المتضررة ووعد بوضع حد لهذه المشكلة ومازال المواطنون ينتظرون، وأضاف النمورة ان ممارسات بعض المواطنين الخاطئة ساهمت في زيادة الأضرار. حيث قام عددٌ منهم بربط منازلهم بقنوات مكشوفة للتخلص من المياه العادمة في "السيل" وبعضهم يتخلص من النفايات والحيوانات النافقة بداخله، كما يقوم بعض أصحاب صهاريج النضح بالتخلص من المياه الملوثة في نفس المجرى.



المنازل والطريق يمحاذاة سيول المجاري
تدمير الاراضي الزراعية

محاولة لا تكفي
مدير صحة البيئة في جنوب الخليل إياد الذيبه، يفيد بأن المديرية قامت بنقل معاناة المواطنين وما يخلفه "السيل" من أضرار على الإنسان والبيئة الى الجهات المختصة، وطلبت المساعدة في حل هذه المشكلة، لكن دون جدوى، وأمام غياب الحلول، فإن صحة البيئة سعت الى توفير المبيدات ورش السيل لحماية المواطنين من الحشرات، وهذا ما تستطيع المديرية تقديمه في هذه الوقت كما يصرح الذيبه.



زراعة اشجار كينيا لتخفيف التلوث
منازل بمحاذاة سيل المياه العادمة في منطقة ابو العسجا

مشروع.. ينتظر التمويل 
رئيس قسم الصرف الصحي في بلدية الخليل المهندس مروان الاخضر قال بالكلمة: "نحن لم نتهرب من مسؤوليتنا في حل مشكلة المياه العادمة، وحاولنا وضع حدٍ لمعاناة المواطنين في بعض المناطق لكن كمية المياه الملوثة والمقدرة بـ 10 الاف متر مكعب يوميا جعلتنا نبحث عن حلول تعود بالمنفعة على المواطنين من خلال تنقية المياه لتصبح صالحة للزراعة". كما أكد ان البلدية تنوي اقامة مشروع محطة تنقية بتكلفة تصل الى 60 مليون دولار، وتم شراء قطعة ارض مساحتها 100 دونم في منطقة "الحيلة "في يطا لتنفيذ المشروع، لكن غياب التمويل يقف حاجزا أمام الإسراع في وضع حدٍ لهذا المشكلة، وتابع الاخضر ان البلدية حصلت على تمويل يصل الى نحو  25 مليون دولار من تكلفة المشروع (10 مليون من البنك الدولي و15 مليون من الوكالة الفرنسية)، وفي هذه الايام تقوم مؤسسة أجنبية وأخرى فلسطينية بإعداد بعض الأبحاث والدراسات للشروع في العمل بعد ان يتوفر باقي المبلغ. 
وهنا لا بد من القول أن المواطنين والبيئة سيستمرون في تحمل الأضرار الناتجة عن المياه الملوثة ..... والانتظار لغاية حصول الجهات المعنية على التمويل !!!!.



اطفال امام منازلهم بمحاذاة سيل المياه العادمة
الاضرار الناتجة عن سيول المياه العادمة


جفاف الأشجار من المياه العادمة
موت الاشجار بالقرب من سيل المياه العادمة


منازل ملاصقة لسيل المياه العادمة
نفايات وحيونات نافقة ترمي في السيل